الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى الدين الحقّ ونبذ الباطل . وقوله : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً أي أقرب النّاس مودّة للذين آمنوا ، أي أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام . وهذان طرفان في معاملة المسلمين . وبين الطرفين فرق متفاوتة في بغض المسلمين ، مثل المجوس والصابئة وعبدة الأوثان والمعطّلة . والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة ، لقوله : أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا . فأمّا من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين . وقد تقدّم الكلام على نظير قوله : الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى في قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ [ المائدة : 14 ] ، المقصود منه إقامة الحجّة عليهم بأنّهم التزموا أن يكونوا أنصار اللّه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ * [ الصف : 14 ] ، كما تقدّم في تفسير نظيره . فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودّة المسلمين فيتّبعوا دين الإسلام . وقوله : ذلِكَ الإشارة إلى الكلام المتقدّم ، وهو أنّهم أقرب مودة للذين آمنوا . والباء في قوله : بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ باء السببية ، وهي تفيد معنى لام التعليل . والضمير في قوله مِنْهُمْ راجع إلى النصارى . والقسّيسون جمع سلامة لقسّيس بوزن سجّين . ويقال قسّ - بفتح القاف وتشديد السين - وهو عالم دين النصرانية . وقال قطرب : هي بلغة الروم . وهذا ممّا وقع فيه الوفاق بين اللغتين . والرهبان هنا جمع راهب ، مثل ركبان جمع راكب ، وفرسان جمع فارس ، وهو غير مقيس في وصف على فاعل . والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة للعبادة . وقال الراغب : الرهبان يكون واحدا وجمعا ، فمن جعله واحدا جمعه على رهابين ورهابنة . وهذا مروي عن الفرّاء . ولم يحك الزمخشري في الأساس أنّ رهبان يكون مفردا . وإطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي : لو أبصرت رهبان دير بالجبل * لانحدر الرّهبان يسعى ويزل وإنّما كان وجود القسّيسين والرهبان بينهم سببا في اقتراب مودّتهم من المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حسن أخلاق القسّيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم . وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمّرون الأديرة والصوامع والبيع ، وأكثرهم من